رواية الخصام.. والخصام بين المترجم والمقدّم والمؤلف
حسين سرمك حسن
عن : الروائي

قدّم لنا المترجم البارع – والقاص والروائي والناقد - «ناطق خلوصي» الكثير من الكتب التي ترجمها عن الإنكليزية وبشكل خاص في مجال التعريف بآداب شعوب أسيا الوسطى الإسلامية التي يكاد يكون إطلاعنا عليها نادراً برغم الصلات الثقافية والتاريخية والروحية التي تربطنا بهذه الشعوب وبآدابها، ومؤخراً نقل إلينا الأستاذ «خلوصي» رواية لكاتب أذربيجاني غير معروف لدينا هو «مقصود إبراهيم بيكوف»لها عنوانان: «ليس من أخ أفضل منه» و«الخصام*». ويبرّر المترجم اختياره لهذه الرواية «بأنها قريبة من أجوائنا بما تتوفر عليه من قيم وتقاليد اجتماعية. وقد أخذت هذه الرواية تستأثر باهتمامي البالغ. ساورتني الرغبة في ترجمتها لكنني آثرت التريث إلى أن أقرأ مزيداً من النماذج من هذه الآداب وحين فعلت، رجعت إلى هذه الرواية وشرعت بترجمتها أملاً أن أكون قد أسهمت بجزء يسير من مهمة التعريف بآداب الشعوب الأخرى». على السطح الظاهر يبدو أن المترجم يؤدي مهمة ثقافية جديرة بالاعتبار وهي التعريف بآداب الشعوب الأخرى التي لم نطلِّع عليها، لكن لمَ هذه الرواية بالذات، ولماذا أحس بأنها «قريبة من نفسه» و«استأثرت باهتمامه البالغ» ولماذا ترك كل الروايات الأخرى التي اطلّع عليها؟ لا تسعفنا المقدمة بتفصيلات أخرى للإجابة على هذه التساؤلات وينبغي أن نقتنع بالهدف الثقافي للمترجم وهو كما قلت هدف جدير بالاحترام، بعد مقدمة المترجم تأتينا مقدمة ناقدة أذربيجانية هي «سيفتلانا علييفا» (من ص7-13) فتقدم لنا لمحة مختصرة عن حياة «إبراهيم بيكوف» وإبداعه. وبقدر تعلق الأمر بروايته «الخصام» فإنها تشير إلى أن بطل الرواية «جليل معلم)) الذي بدأ صبِّاً يبيع الصحف لينتهي مديراً لدائرة البريد في (باكو).. لا يمتلك الحق في أن يحمل لقب معلم، فهو على درجة واطئة في التعلم لكن لاحقة «معلم» التي أضيفت إلى اسمه، إنما للتعبير عن احترام جيرانه له وتقديرهم لطريقته في العيش، وقبل ذلك طريقته في التفكير. إنّ جليل معلم شخصيته نموذجية: «ابناً وأخاً وزوجاً ومضيّفاً، وهو يجسد سمات الرجل الجدير بالاحترام دون شك» وفي نظرة عميقة تصل إلى بؤرة قد يدركها أي مراقب نقدي حصيف يقول: «إنّ جليل معلم شخصية ذات أهمية فنية راسخة. وعلى الرغم من أنه شخصية تحب وطنها بعمق، فإنّ فيه ملامح نموذج سايكولوجي محدّد. إنه يطمح في أن يكون مهماً لكنه في جوهره إنسان آلي مبرمج دون أن يعني هذا أنه لا يمتلك القدرة على الإحساس وعلى المعاناة بالتالي». وفي هذا الوصف تناقض واضح إذ كيف يمتلك إنسان آلي القدرة على الإحساس وعلى المعاناة؟ هناك شيء تدور حوله الناقدة ولا نستطيع التقاطه بدقة، أو أنها لا تستطيع الإفصاح عنه لأنها تخضع لنفس القوى الكابتة التي عانى منها جليل معلم. فالأخير هو أنموذج للإنسان المعصوب الذي أرهقته صراعات دوافعه اللا شعورية وحطمت حياته قبضة القوى الكابتة إلى أن أوصلته إلى الموت بعد أن استهلكت قواه وصبغت مسيرته بمشاعر التعاسة والتشاؤم. على السطح نشاهد رجلاً هادئاً متماسكاً يحظى باحترام الناس في العمل وفي الحي، فهو إنسان مكافح تطوّر عملياً من بائع صحف وهو صبي إلى عامل في دائرة البريد ليصبح مديراً لها يشهد له الجميع بانضباطه وأمانته. وفي العائلة تحمل مسؤولية عائلته كابن أكبر بعد مقتل والده في الحرب*. لقد عمل بقسوة من أجل إعالة أمّه وأخويه: «سيبورغ» الذي يصغره باثنتي عشرة سنة و«طاهر» الذي مات صغيراً. وبعد زواجه كان ربّ أسـرة ناجـح لابنته وابنه ووفياً لزوجته فهو لم يعاشر امرأة أخرى في حياته لا قبل الزواج ولا بعده، وحركته اليومية محدودة من دائرة البريد إلى البيت عدا زيارة أسبوعية لحمام المدينة العام الذي يعتبر من علاماتها المميّزة، بعيداً عن السهر والشراب، وليس لديه صداقات متينة، إنشغاله الأساسي هو في الاهتمام بحديقته المنـزلية التي هي أفضل حديقة في المدينة، فما الذي يشوب رجلاً له مثل هذه السمات النموذجية؟ إن هذه السمات النموذجية هي ما يظهره قناع الشخصية الذي يفرضه الدور الاجتماعي والتي سنرى – عندما نغوص في أعماق هذا الرجل – أنها عبارة عن تشكيلات مضادة – Re action Formation - تعاكس ما هو عصابي مخفي في لا شعوره. ولعلّ أول مظاهر هذه العصابية هي العدوانية المكتومة التي هي أول ما يواجهنا في الرواية. وهي عدوانية مرضية أوصلته في النهاية إلى حتفه كما سنرى، وهو يجاهد لقمع هذه الدوافع التي تتراكم لأنها لا تجد لها منفذاً فتقلقه بشدة إلى حدّ أنه ومن أجل تصريفها يصدق بحل «سحري» يقدمه له معاون طبي جاهل كما يصفه – والإيمان بالحلول السحرية من سمات المعصوبين في نكوصهم إلى التفكير البدائي – فيسير حافياً على أرض الحديقة معتقداً بأن الكهربائية التي تتراكم في جسم الإنسان أثناء النهار تتسرب عبر جلد القدمين. إنه يتصور أن هذه الكهربائية تتجمع في عقد متينة وثقيلة في قلبه ورأسه وتضغط على كل عصب فيه. وهو يقوم بهذه الممارسة باستمرار، لكن زوجته وابنته تريان أن أيّ ارتخاء في توتره لم يحدث، وأنّ الطاقة الكامنة في جسده ربما تكفي لشحن تربة كلّ حدائق الخضروات والمزارع في المنطقة المجاورة لـ«باكو»، حتى مدلك الحمّام يقول له أنت رجل عصبي، وإنّ حدة مزاجه جعلته أكثر نحافة وأكثر تقدّماً في العمر، تظهر هذه الشراسة اللائبة في تعامله مع الكلب الذي جاء به جرواً، وربّاه فإذا به يتنكر له ويمضي وقته في نصف البيت المخّصص لأخيه ويختبئ بين الأشجار حين يدخل البيت وينظر إليه بلا اكتراث.
«كان جليل معلم يتمنى من كل قلبه لو أنه يعضه لأنه يجد عند ذاك ما يبرر ضربه حتى الموت ولكن بعدالة»، وتتجـلى العدوانية في نوبة انفجارية عاصفة رداً على سبب تافه وذلك حين مزّق مسمار ناتئ سرواله: «شعر بنوبة غضب شريرة وحمقاء لا يدري ضد مَنْ ثارت و(..) كان ضجيج ضربة المطرقة يصمّ الآذان حقاً، يبدو رهيباً..» هذه هي المرّة الوحيدة التي نفسّ فيها عن عدوانه المكبوت ولكن ضد مسمار!! لقد عاش عمره وهو يغالب هذه الدفعات فكانت النتيجة سلوك مسالم وهادئ وخشية دائمة من «أن يؤذي أحداً». وكان تشخيص زوجته دقيقاً حين وقف أمامها طويلاً يبّرر طرقات المسمار المدوية التي أفزعت كلّ من في البيت: «لن يضير أحداً أنك طرقت مسماراً بضع مرات.. على أية حال من حقك أن تطلق العنان لنفسك مرة واحدة في الحياة» لكنه كان يعتقد أنه قد سبب ضرراً فوقف ليقدم تبريراً طويلاً لتصرفه وهذا يعكس السمة العصابية الثانية والمتمثلة في الشعور الكامن بالذنب الذي يركبه والذي يجعله ملزماً بتقديم تفسيرات لأفعاله من ناحية ومتردداً في المبادرة لاتخاذ القرارات والأفعال من ناحية ثانية. تظهر الروح التبريرية جلية في الخطب الطويلة التي كان يلقيها على مسامع أفراد عائلته الصغيرة كل صباح، وفي الشروحات المسهبة التي يقدمها لكل مخطئ من العاملين معه «دون أن يستبقيه لكي يصغي إلى محاضرة وعظية طويلة، ولا يروي حكاية وعظية مستوحاة من حياته الخاصة أو حياة الناس الذين يعرفهم جيداً ويكّن لهم احتراماً». أمّا التردد فإنه ينعكس في مواقف كثيرة ويعكس إرادة متضادة – Ambivalent – متصارعة وهي من سمات الشخصية العصابية. هو دائماً يريد أن يفعل ولا يفعل، ويريد أن يقول ولا يقول. إنّ كل شيء يجري في حياته ينبغي أن يكون له سبب، وأن يجري بصورة مقننة وثابتة خوفاً من أن يحصل أي أمر مضاعف يربك حياته وحياة من يحيون حوله. وهذا الموقف هو نتاج لامتزاج العدوان بمشاعر الإثم، ولا نستطيع فهم سرّ هذا الامتزاج ومظاهره، إلاّ إذا استقصينا مصدر هذا الشعور بالذنب، وقد يكون غريباً أن نقول إنّ جذور كلّ هذا الاضطراب تمتد عميقاً في تربة التثبيت الأوديببي. لقد استهل هذا الرجل «جليل معلم» صحوته الجنسية الطفلية بالتبصّص على حمّام النساء حيث أمسك به متلبساً وخارت قواه وأوشك أن يغمى عليه. والأهم في هذه الحادثة هو أنه لم يكن يتبصّص باحثاً عن أيّ جسد أنثوي عار، كان يبحث عن جسد امرأة محدّدة، امرأة ارتبطت صورة جسدها الساحر بأول تجاربه الجنسية الطفلية وكبديل أو حضور مقترن بجسد الأم وفي حمّام المدينة الأثير إلى نفسه. إنّها «راخشندة» المدلكة والمسؤولة عن إدارة حمّام المدينة: «كانت النسوة العاريات يتجولن.. وفي كلّ مرّة كان متأكداً من أن في ميسوره أن يرى (راخشندة) بين النسوة اللاتي يتوفرن على جمال صاعق.. ولكن كيف كان بميسوره أن يراها من ذلك العلو، وفي مثل هذا البخار.. كان ذلك مستحيلاً ولكنه كان في كلّ مرّة يركز على امرأة ما تذكره ب(راخشندة) بعض الشيء، وتظل صورتها أسيرة عينيه طوال المساء وفي خياله الذي تطوّر بصورة جيّدة» خيال الراشد الناضج هذا لا تستولي عليه سوى ذكرى واحدة ملتهبة هي تلك المرتلطة بالمرّة الأولى التي اصطحبته أمّه فيها إلى الحمّام وهو في سنته الرابعة – مفتتح المرحلة الأوديبية – حيث دخلت (راخشندة) عارية تماماً وهي المرّة الأولى التي يرى فيها امرأة عارية على الإطلاق، باستثناء أمه بالطبع: «ساوره شعور بالغبطة وهو يقف على ركبتيها ويضغط رأسه على بطنها أسفل النهدين الصغيرين المتكورين بحلمتيهما الورديتين، وعندما دلكت ظهره بقوة، غلب جسده الصغير حالة استرخاء لذيذ. وكان من العسير عليه أن يمتنع عن أن يضع في فمه الحلمة الرقيقة التي انزلقت فوق عنقه حتى صارت فوق جبينه الآن، وربما ساورته تلك الرغبة فيما بعد، عقب سنوات عديدة، وبدا له دائما أنه يريد أن يفعل ذلك عندئذٍ» وما أهمية جسد خرافي عار لامرأة يراها طفل لأول مرة في حياته ويلاحقه حتى مماته، إن لم يكن هذا الأنموذج بديلاً للجسد الأمومي، يحل محل الأخير في بنية نفسية معصوبة؟ لقد استولت على كيانه صورة جسد (راخشندة) الباهرة ولم يفلح في التخلص منه لبدء حياة عاطفية جديدة متحرّرة من أي مشاعر أوديبية تثير الإثم، لكنه لم يفلح في ذلك، «كان الاختبار الحقيقي والمرير هو في الامتحان الذي تعرّض له في ليلة زفافه من فتاة (ليلى) اختارتها له أمّه ولم يكن فيها أي شيء يجذبه لكنها زوجها)، كما يقول، في ليلة الزفاف أصابه العجز الجنسي – وهو حال قسم كبير من المعصوبين، وشعر بأنه إذا لم يفلح في مهمته الزوجية فإن عليه أن يطلق النار على نفسه أو يشنق نفسه، إنه ينتظر معجزة تنقذه «وفجأة حدث ذلك. شعر فيها على الفور، كان مرّة مغموراً أكثر في تلك الحالة التي انتزعه (عاكف) في تلك المرة وهو على سطح الحمّام.. لبث راقداً بلا حراك لبضع دقائق، ثم مدّ يداً ساخنة ولمس (راخشندة) المستلقية إلى جواره جميلة ومفعمة بالرغبة.. ضاجع (راخشندة) عدة مرات دون أن ينبس ببنت شفة ودون أن يفتح عينيه مرّة واحدة» لم يستطع إنجاز مهمته الزوجية أو يأخذ حريته في الممارسة الجنسية إلاّ عندما تخيل أنّ المرأة التي تشاركه السرير هي (راخشندة) وليست زوجته الفعلية، وفي حركة فنطازية شديدة الإيحاء تنتبه زوجته الفعلية بعد أن تلد ابنتها أن الأخيرة تشبه (راخشندة) تماماً في جمالها وكمال جسدها وأن «ثمة معجزة في هذا» وهي فعلاً معجزة التخييل الأوديبي المحارمي الذي ينتقل ويموّه عبر سلسلة من البدائل، الماكرة الصورة الأصلية لموضوع الحب الأثير وتحويله من أم إلى ابنه بمعجزة غير مفسرة (ولعلّ هذا الدافع هو الذي يجعل المعصوبين قابلين للتأثر بالحلول السحرية)وقد يكون مسؤولا عن جانب من الفعل الابداعي الخلاق، عبر مداورة مغلفة قد لا نستطيع الإمساك بجوهرها. فإذا قلنا إن تعلقه الطقوسي بالحمّام العام الذي يصفه بالقول «لم يكن ثمة مكان يشعر فيه بمثل هذا السكون والسعادة في غير هذا الحمّام» يعود في أصوله إلى ما يستتر من دوافع جنسية مثلية، ونزعات استعرائية كانت المحرك للبشر كي ينشئوا حمّامات عامة لأنهم كان بإمكانهم الاستحمام في بيوتهم، فإن قائلاً سيقول متسائلاً إذا كان هذا هو الهدف الفج فكيف نفسّر الطقوس الاحتفائية ومنها ما هو جمالي في عملية الاستحمام العامّة؟ فنقول إنّ هذه هي الطريقة التي يتحول فيها المكبوت إلى دافع للتطور الحضاري النافع والأخاذ والذي يفقد بعد دهور من «الاستعمال النفعي البريء» مضامينه المحارمية.
يقول «كلود ليفي شتراوس» إن مسيرة الحضارة بدأت مع تحظير المحارم، لقد كان «جليل معلّم» ابن أمّه ليس بمعنى الرجولة الناجزة بل بمعنى الرضيع الدائم. لقد كان ابنها المدلّل الذي تدعو الله كل مساء أن يعود سالماً مقابل أخيه الوقح «سيبورغ» الذي انغمس في الملذات. وهنا تبرز حلقة مهمة من حلقات المسلسل الأوديبي المتمثلة في «عقدة قابيل» والتي تجسدت في العلاقة بين جليل وأخيه الأصغير (سيبورغ)، لقد كان جليل يعلن أنه يحب أخاه الأصغر أكثر مما يحبّ أولاده. كان يقتر على نفسه وعلى عائلته ليمنح أخاه ما يكفيه من المال عندما كان طالباً. وحين اشتعلت الحرب، وغاب (سيبورغ) لمدّة ثلاث سنوات ذهب جليل إلى صندوق الادخار أكثر من أربعين مرة ليضع مبلغاً باسم أخيه، يعينه على الحياة بعد عودته من الجبهة. كان مثابراً على إرسال الرسائل إلى أخيه في مواعيد محدّدة يشرح له فيها حال عائلتهم وما يجري من متغيرات في المدينة (باكو). ودّع أخاه باكياً ولأول مرّة يذرف الدمع، واستقبله باكياً، بل بكيا سوية بحرقة، عندما أخذه إلى قبر أمّهما التي ماتت و(سيبورغ) في الجبهة. لقد ماتت الأم بعد مدّة قصيرة من عودتها من الرحلة التي أخذها فيها ابنها لتحقيق حلم حياتها الوحيد، والمتمثل في زيارة المدينة الوحيدة التي زارتها مع زوجها الراحل. وهنا يستثار في أذهاننا شكل من التآمر الأوديبي التي ستنكره مقاوماتنا الشعورية، لقد خطط الابن الأكبر لأول مرّة في حياته لزيارة مدينة أخرى خارج مدينته، وهي المدينة التي تختزن الأم أجمل الذكريات التي عاشتها مع الأب. وهي زيارة مضنية لمن هم في مثل عمرها وحالتها الصحية المزرية. لقد كتب إلى أخيه يشرح له مشروع الزيارة وكان العامل الحاسم وراء ذلك هو في الواقع دوافع العقدة «القابيلية – نسبة إلى قابيل» التي تمور في أعماقه والتي حاول تشكيلها في صورة مضادة تتمثل في الحرص الأبوي المفرط تجاه أخيه. كانت رسائل أخيه وبطاقاته البريدية التي يصف فيها المدن التي لم يكن قد رآها من قبل قد حفزّت في نفسه هذا الطموح القديم الكامن، لقد شعر بنوع من التهديد الذي يمثله نضج أخيه والخبرة التي منحتها له الحرب وهو الذي لم يزر أي مدينة أخرى خارج مدينته في حياته كلّها، إنّه مثبت على الأم ومكافأتها، إنه لا يعتقد مطلقاً أنّ هناك مدينة أو بيتاً يمكن أن يوفر له الراحة والشعور بالانتماء مثل مدينته أو بيته، لقد شجب بجدّه موقف صديقه النائب الذي قال له بأنه يجد الراحة في المدينة التي أخذ أمّه إليها، وحتى عنايته بالحديقة كانت تمظهراً لهذا التعلق الأمومي، وفي حمّام المدينة كان يشعر أنّ لا مكان يمكن أن يضاهيه في الراحة والطمأنينة التي يقدمها له، وحين نقرأ وصف طريقة التدليك التي يقوم بها المدلك فسنجدها معالجة طفلّية توفر له الشعور بأنه في حضن أمومي، وبفعل تثبته أيضاً خفانه مـن محـبي الماضي وذكرياته التي يتحسر عليها كلما شاهد في الواقع مظاهر تغيير في الحاضر، فالمعصوب يخشى التغيير، يسير في الحياة وعيناه تنظران إلى الوراء، الماضي بالنسبة له طمأنينة وأمان في حين أن المستقبل يمثل له القلق والانخلاع من الجذور، إنه يتوجّس من أي تغيير، مهما كان بسيطاً، في البيت أو في المدينة، وقبيل عودة شقيقه من جبهات القتال، العودة التي هدّدت تماسكه النفسي المظهري وأوصلته إلى الخراب، حصل متغير شديد التأثير وهو انتقال عائلة (مناف) السائق للسكن في شارعهم واستثارة المشاعر المكبوتة التي غالبها طويلاً. كان في السابق يشبع غرائزه الآثمة من خلال أنموذج متخيل هي (راخشندة) ولكنه يصدم حالياً بابنة (مناف) (دلبر) المنفلتة التي كان يشعر بأن ثمة ما هو غير محتشم وما يبعث على الإغراء في نظراتها، كان ثوبها الرقيق القصير يكشف وبشكل مثير الأجزاء الأكثر أهمية وإثارة من جسدها الفتي. ولم يستطع أن يزيل من ذاكرته مشهد ثوبها الممزق حتى سرتها بعد أن انزلقت من شجرة في حديقته «رأى كل جسدها تقريباً ببشرته الوردية الرقيقة لا يستره سوى هذا الثوب الممزق»، لقد أمضى ثلاثة أيام يغالب نفسه كي يبلغ زوجته بقراره بمنع «دلبر من دخول المنـزل، لم لا يكون القرار سريعاً وحاسماً؟» وبرغم ذلك فقد توسط لها ليجد لها عملاً في صيدلية. بعد ذلك صارت تلبس ثوباً محتشماً واختفت ابتسامتها الوقحة، وعدّ ذلك نصراً له في إصلاحها، لكن هل ماتت دوافعه الشهوانية تجاهها أم أنها ظلت مثل الجمرة المستعرة تحت الرماد؟ لم تمت هذه الدوافع لكن المعصوب يكابد الصراع معها خفية فيرهقة الصراع ويحرق أعصابه. لقد تفجرّت تلك الدوافع بعد أن اشتبكت وشحنت بطاقة العقدة القابيلية التي استثارتها وبقوة عودة أخيه من الجبهة. كان يتوقع أن يلتقي بالأخ (الأصغر) الذي وفّر له المال وانتظره طويلاً كأب حنون وعطوف وإذا به يفاجأ بأن هذا الشقيق الأصغر فعلياً، الابن نفسياً قد عركته تجارب الحرب وأنضجته نفسياً وجسديا، يرفض المساعدة من أخيه ويعمل جاهداً للحصول على عمل مناسب، ويقوم هو بعرض المساعدة المالية على شقيقه الأكبر. (سيمورغ) شاب منفتح على الحياة بلا عقد أو صراعات داخلية معوّقة تلون حياته بالقتامة والتردّد. إنه يعمل بحماسة ويسهر مع أصدقائه ويضحك ويمرح. وبرغم أن كل هذه السمات لا يمتلكها جليل معلم – ولأول مرّة لم يعد معلماً – إلاّ أن الضربات الأساسية التي زلزلت كيانه كانت في سعي (سيمورغ) نحو الاستقلالية الناجزة، ورفض الوصاية الأبوية، هذا السعي الذي سحب بساط الدور الأبوي من تحت أقدام جليل تماماً. لقد رفض (سيمورغ) وظيفة مجزية لأن المشرفين يطلبون منه أن يلبس قفازات بيض وربطة عنق سوداء – عمل مكتبي يشبه عمل جليل – فعلقت زوجة جليل بأن هذا يعني أن (سيمورغ) صاحب مبدأ فأشعلت غيرة جليل زوجها، هذه الغيرة التي بدأت تتأجج بعد أن اختار (سيمورغ) عملاً للتنقيب عن النفط في البحر - «وهو عمل أبيهما نفسه».
حاول جليل أن يثني عزم أخيه عن هذا العمل بحجة وجود مخاطر شديدة، لكن (سيمورغ) رفض بلطف والتحق بالعمل ثم صار يحدثه عن عمله بحماسة ورائحة النفط تشم من جسده، وعند عودته، وعرفت أسرته وجيرانه الكثير مما هو جديد ومشوق من حكاياته. كانوا مندهشين ومذهولين بفعل تفصيلات الحياة هناك. وفي الوقت الذي كانت حماسة (سيمورغ) لعمله تتصاعد انطفأت حماسة جليل لعمله وأصبح يؤديه بلا متعة واستولى عليه شعور غريب باللا مبالاة والاكتئاب. كان يستغرب دائماً من قدرة أخيه وأصدقائه على الضحك دون سبب على الإطلاق أو بسبب أمور لا تثير الضحك في رأيه، ووصل إلى استنتاج بأن ثمة ما ينقص تربيتهم وقد ألمح لأخيه بهذا الأمر فاقترح الأخير فتح البوابة الخلفية للبيت بحيث يمكن لزواره أن يدخلوا منها بدون التأثير على العائلة، وافق جليل معلم وقد استبدّ به العجب كيف أن حلاً بسيطاً مثل هذا لم يخطر بباله – المعصوبون لا يلتقطون الحلول البسيطة أبداً ويعملون من الحبّة قبّة كما تقول الحكمة الشعبية – مضيفاً أن جزء الباحة في ذلك الطرف وهي قطعة أرض خالية تصلح لغرس أنواع الأشجار الزائدة في حديقته.. وافق (سيمورغ) على زرع هذه المساحة. ولأن الفرد المعصوب يتوجس من كل جديد ويتصور كل خطوة مستقبلية مثقلة بالصعوبات والتضحيات فقد طلب من أخيه أن لا تجرفه العاطفة بعيداً، ذلك لأن غرس الأشجار يستنـزف قدراً هائلاً من الوقت والعمل والرغبة. وذكر (سيمورغ) بعدد السنين التي استغرقها جعل الحديقة تبدو في حالة جديرة بالإعجاب. وقد تم ذلك من خلال قدرته ومعرفته بالبستنة (راجع الصفحات 116- 126). وكانت المفاجأة أن (سيمورغ) استطاع إنشاء حديقة غنّاء خلال مدّة قصيرة أذهلت جليل، حتى السماد جاء به بسيارتي حمل في حين كان جليل يكلف أخاه بجمع روث الحيوانات من الشارع ليسمّد حديقته بالأنواع نفسها المزروعة في حديقة جليل لكنها جاءت أكثر خضرة وجمالاً وصار الناس يزورنها ويبدون إعجابهم بها، وبعد أن كان جليل مرجعاً يستشيرونه في شؤون البستنة أصبح (سيمورغ) في عيونهم مرجعاً لا يبارى في هذا المجال. لقد سحب (سيمورغ) – الأخ الأصغر – بعودته الظافرة البساط كاملاً من تحت قدميه. لقد انتصر هابيل على قابيل في هذه المعركة الأزلية، وتوّج هذا الانتصار عندما تزوج (سيمورغ) من (دلبر) التي أيقظت دوافعه الغريزية المكبوتة – تزوجها رغم رفض جليل. وبعد الزواج أصبح القسم الخاص بهما من البيت مركزاً للمرح والعزف والغناء، حتى النائب العام زار الزوجين الشابين والأمرّ من ذلك هو أن زوجة جليل وابنه وابنته كانا يزورانهـما في غيـابه، وهنا تأتي الضربة القاضية، فإذا كان قابيل قد قتل هابيل صراعاً على أخت الأول – أختهما – وهي في كل الأحوال موضوع محرّم، فإنّ المعادلة انقلبت وهزم قابيل/ جواد معلم نهائياً. ولأن الأحلام هي الطريق الملكية نحو مملكة اللاّ شعور فإن الحلم الأخير في حياة جليل والذي ظل يلاحقه كل ليلة لأشهر عديدة والذي يكفينا أن ننقل خلاصته لنكتشف – رغم التعقيدات الشكلية والإخراجيّة لعمل الحلــم – Dream Work – الأصل المحارمي وتمظهراته المربكة المشوشة لكل الخراب الذي عصف بحياة جليل معلم: « رأي دلبر قادمة نحوه وتبدو عارية.. كانت تبتسم ابتسامة مغرية.. وضعت يدها على صدره وقالت له: إنني انتظرتك منذ زمن طويل. كانت عيناه تتوهجان فرحاً.. غمره شعور بالقوة أحس به في كل مكان من جسده.. كانت ذراعاه تطوقانها تماماً وأحسّ بارتعاشة جسدها.. أصغى وهو ثمل بالسعادة إلى همساتها المشوبة بالعاطفة وهي تفصح له عن حبها الذي لا حدّ له. قالت له إنها قد وقعت في حبه من النظـرة الأولى يوم التقيا في المنعطف – وواقعياً هو الذي شاهد أخاه منـزوياً معها في المنعطف الأمر أثار حنقه – وكأنها لن تتركه حتى الموت ووصفته بالحبيب الوحيد الذي ترغب فيه.. قبّل عينيها وشفتيها وشعر بانه الانسان الاسعد على وجه الارض .(مريم خانم )- امه –توقفت هنيهه ونظرت إليهما وانفجرت بابتسامة سعيدة، لم يكن قد ظهر على وجهها ما يماثلها منذ أيام زوجها الراحل.. سارت ووجها رقيق وهادئ فشعر بأن أمه مسرورة لأن تراهما معاً (...) عانق (دلبر) وفتح رداءها ورأى نهديا لينين..بشرة بيضاء رقيقة وحلمتين ورديتين مرنتين .. رأى عينيها تشعان بضوء شهواني باهر: إياك أن تدعوني (راخشندة) اسمي دلبر.. وما لبث أن صحا من النوم» هكذا حقق في الحلم – وهو منفذ إشباع الرغبات المكبوتة – كل ما هو محرم عليه بمداورات ذكية ومحكمة».. لكن الإشباع الحلمي الذي يتحقق ليلاً يتحطم على صخرة الإحباط الواقعية نهاراً حيث تـصدم بصـره وبصـيرته الحقيقـة العارية وهي أنه قد هزم شرّ هزيمة ولن تفلح أية آلية دفاعية Defense Mechanism – في ترميم كيانه النفسي الممزق، لا أمل بعد الآن وها هي النهاية قد حلت أزفت آزفتها؛ نهاية يصممها المؤلف بطريقة نفسية تتسق والمسار العام للتحولات الدرامية في الرواية. فقد كان جليل معلم يربي خليتي نحل في حديقته الأثيرة، وكانتا موضع فخره لأنهما الوحيدتان في المنطقة.. وقد وصل تعلقه بالنحل حدّ أنه كان في أحاديثه يتخذه مرجعية يقيس عليها السلوك البشري في التضحية والإيثار، ولكن النحل كان يلسعه في بعض الأحيان وعندما استشار النحال الذي باعه الخليتين حول هذه المسألة قال له النحال (إن النحل يشعر عندما يأتيه المرء وهو في حالة غضب أو انفعال فيقوم بلسع مربيه أحياناً. وفي صباح اليوم الأخير من حياته يغلي مرجل الغضب في أعماقه وهو يسمع أخاه يضحك مع زوجته وأبويها فيحاول أن يجد ملاذاً في أحضان حديقته/ الأم فشعر بأنها تلفظه وأنه يكره نفسه هو أكثر من أي واحد «كان كل جسده يرتعش حقداً وغضباً.. شعر بتشنج في حنجرته ولو أن أي أحد كان قد تكلم معه في تلك اللحظة لما سمع رداً لأنه كان في حالة توتر واهتياج لا تتيح له فرصة أن يفتح فكيه المصكوكين (...) شعر بأن ثمة ما يدفعه إلى الصراخ وشقت صرخة طريقها من أعماق قلبه لتختنق في حنجرته.. اندفع صوب إحدى خليتي النحل ووقف ساكناً، وخلال لحظة واحدة شعر كما لو أنّ عصفة هواء ملتهبة قد أصابت وجهه بكامل قوتها، أحسّ كأن جلد وجهه ورقبته وكتفيه وصدره قد احترق وثمة مذاق نحاس على لسانه وباطن فمه). ورغم توصية النحال الخطيرة فقد أتى يغلي غضباً وانفعالاً نحو خليتي النحل الذي أدى واجبه الغريزي، لقد «اختار» لا شعورياً طريق الخلاص من الأخيرة وهو تدمير الذات حتى الموت. وبرغم كل مظاهر العطف والحنان التي أظهرها تجاه عائلته التي اجتمعت حوله وهو يحتضر، والتي ستثير تعاطف القارئ حتماً وتغيّب انتباهه فإن التساؤل الأساسي الذي قد تعطل استيعابه مقاوماتنا اللا شعورية Unconscious Resistance حين تستثار دوافعنا المحارمية والقابيلية المدانة هو: هل كان جليل معلم بعد ما قدّمناه (جليلاً) في غاياته و(معلماً) في سلوكه؟ وهل كان سوياً في بنائه النفسي. إنّ ما سيعيق التقاطنا العقد الملتهبة هو صوت المراجل التي استهل بها المؤلف، المقتدر وأنهى بها روايته.
ففي استهلال الرواية يقول: «ترتفع المراجل الصفر الداكنة فوق سطح بناية الحمّام الشعبي ذات الطابقين.. وتسمع دمدمتها الرتيبة ليل نهار في كل بيت حتى عندما تهب ريح الشمال». ثم يختم روايته وهو يصف حال جليل معلم وهو يحتضر وبعد أن يسأل أخاه الأصغر لماذا كان أحدهما يعذب الآخر بلا رحمة طوال هذا الزمن؟ والسؤال غير متوازن لأن الأخير لم يكن يعذبه – فيقول: «كان ذهن جليل معلم صافياً بشكل استثنائي وبدت حواسه في أقصى حدود يقظتها لكنه لم يسمع ردّ أخيه لأنّ كل الأصوات كانت خفية، مغمورة في زمجرة المراجل المدوية المتصاعدة إلى ذروة قوّتها لحظة بعد لحظة».
حسين سرمك حسن – ناقد عراقي مقيم في دمشق
كتبها تدوين ونقل في 10:05 مساءً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: تدوين ونقل


