""عرب الهور" لمؤلفه ولفريد ثيسيغر .. رحلة شبه أسطورية تخلّدها لوحة بانورامية رائعة"
كتابات - عبد الأمير المجر

مثل احلام الظهيرة، تتلاشى السنين وتنزوي الى الوراء بعد ان تدفعنا ايامها المتلاحقة الى الامام باستمرار في رحلة ازلية لا ندري متى ابتدأت وبالتأكيد لا ندري كيف ستنتهي.. هكذا، هي الحياة، وهكذا نبقى متشبثين بها لان قدرنا ان نفعل ذلك، وقدرنا ان نحاول باستمرار اجترار ايامنا المفقودة في رحلتنا هذه ولان الاجمل فيها، هو ما يشدنا اليها اكثر، فاننا نبقى متشبثين باذيال اطيافها التي لن تكون سوى اطياف!.. لقد كانت احاديث والدي رحمه الله عن ولفريد ثيسيغر كثيراً ما تجعلني ارسم صوراً متعددة لانسان اكاد أحسبه اسطورة ولعله يحمل شيئاً من هذا، في آثاره التي احتلت مساحة واسعة من ذاكرة الناس، هناك، اقصد في العمارة، وتحديداً المجر الكبير، واهواره التي تتصل بثلاث محافظات عراقية هي ميسان وذي قار والبصرة والتي كانت ميداناً لفعاليات هذا (الانكريزي) الذي اصابه مسٌّ من العشق لأهوار العراق، حتى اوغل في عشقه هذا، ليترك اثراً رائعاً في ادب الرحلات له بالتأكيد مكانة خاصة في نفوسنا نحن ابناء تلك البيئة التي كانت ميدان هذا العشق النبيل الذي خلده ثيسيغر بكتاب وجدت نفسي اهفو اليه حال وقوع نظري على غلافه، (عرب الهور)!... هل سمعتم بهذا الكتاب او قرأتموه من قبل؟.. لا أدري.. أما أنا فأجزم انني قرات بعضاً منه، قبل ان اتصفحه! لان والدي والناس هناك حدثوني عن (الانكريزي) الذي كان يمضي اياماً وشهوراً في الهور وبين قرانا ويتعامل مع الناس كأنه (معيدي) ويخدمهم طبياً ويختن الاطفال وينادم جلاس المضايف لاسيما مضيف (سيد سروط) رحمه الله الذي كان غير بعيد عن قريتنا.
اذن، ان الذي بين يدي، هو كتاب (عرب الهور) لمؤلفه ولفريد ثيسيغر الذي ترجمه الزميل د.سلمان عبد الواحد كيوش، ووضع له مقدمة شيقة جاءت منسجمة تماما مع متن الكتاب، حتى بدت لي كأن كاتبها المؤلف نفسه، لانه توخى في ترجمة هذا الكتاب النفيس الدقة التي استدعت جهداً ميدانياً لا يخفي نزعة وجدانية باح بها بين ثنايا مقدمته حين قال: “وحين خضت في الصفحات الاولى للكتاب مترجماً لها توقف لدي هاجس قديم ارقني لسنين طوال، هاجس كتابة شيء عن الجنوب العراقي الزاخر بالسحر، ولكي نتأكد ونؤكد موضوعية المترجم لابد لنا من أن نذكّر بان المترجم هو ابن تلك البيئة او من المنتمين اليها روحياً، وان فارقت بينه وبينها صروف حياة الاهل، كالكثير من أبناء الجنوب الذين هاجروا الى العاصمة تحت ضغط الظروف التي عاناها الاهل في خوالي السنين (الحلوة المرة)! ومن هذه الثنائية المتناشزة والممتزجة في وجدان أهل الجنوب، خرج غناؤهم كالبكاء اللذيذ، واي غناء!..
عرب الهور.. كتاب انثربولوجي كما يؤكد المترجم وقد كتبه انثربولوجي مهم كما يصفه مختلفاً مع المؤلف الذي يدعي انه ليس كذلك، ويدعم المترجم حكمه هذا من خلال الاضاءة الوافية في المقدمة التي مازلنا نخوض فيها لان المترجم الذي أثرت رؤيته لواقعه (الجنوبي) دراسته الاكاديمية وضع يده على مكامن الوصف العلمي للكتاب الذي افترش متنه نحو(400) صفحة من القطع الكبير مع ملحق الصور، ومن هنا تأتي اهمية هذا الكتاب الذي يعد وثيقة نادرة ليس على مستوى الموضوع بحد ذاته، اي حياة سكان الهور، بل لما يوثقه من حياة هؤلاء في مرحلة زمنية امتازت باستقرار وأمن جعل الفعالية الحياتية فيها تذهب لأبعد مدياتها، ولتعطي صورة الواقع على حقيقته وبشموليته ايضاً بعيداً عن أي شكل من أشكال التأثر بالمزاج السياسي وانعكاساتها عليها لاحقاً ومن هذه الحقيقة اذهب انا الى القول بأن كتاب (عرب الهور) يشبه الى حد بعيد لوحة بانورامية رسمتها ونحتتها على جدار الزمن يد هذا الرجل، في لحظة تاريخية، قد لا تتكرر، اي انه منح الأهوار صورتها الحقيقية واطلقها في ذمة التاريخ وباتجاه المستقبل حتماً!..
لقد عاش ثيسيغر كما يقول في مقدمته للكتاب في اهوار جنوب العراق ابتداءً من نهاية العام (1951) وحتى حزيران(1958) وهي مدة كافية لان يسلط الضوء فيها على ادق تفاصيل الحياة في الهور، وهكذا جاء كتابه بـ(24) فصلاً عن ما بدأه بـ(لمحة عن الاهوار) ثم توغل شيئاً فشيئاً في ذلك العالم المدهش يقلب خفاياه ويشير الى ما كنا نراه من دون أن نلتفت اليه او الى اهميته في حياتنا هناك!.. انه (انكريزي) حقاً، لكنه بالتأكيد يختلف عن (مود) و(لجمن) وأمثالهما ممن تركوا خلفهم للتاريخ ما لا يحتفي به كثيراً قراء التاريخ!.. ان ثيسيغر انتمى الى الجمال في اعماق الانسان يستنطقه ويتوهج هو معه، لانه كان يحمل في داخله انساناً أكبر من ان تحتويه آلة عسكرية تطوي اسمه وقيمته في رمال معركة او طريق يخطئ راكبوه الوصول الى ذواتهم، انه جاء وفي اعماقه روح برنارد شو.. وروبرت اوين.. وامثالهما من رموز الانسانية هناك، على الرغم من انه كان ابناً للمندوب السامي البريطاني في الحبشة، ولكم ان تتخيلوا، كيف يتحمل ابن هذا الترف الانكليزي شظف العيش وقسوة الطبيعة في الاهوار لاسيما في فصل الصيف، مالم يكن يحمل روحاً قوية ورغبة اكيدة في الانتماء للانسان الذي فيه.. اجد صعوبة بالغة في استعراض الكتاب لأن كل واقعة فيه تستحق ان تقرأ، وهو من النوع الذي لا يعرض، بل يقرأ، وهذا كل ما استطيع ان اقوله..
اخيراً، لابد من الذكر بأن ثيسيغر ولد في(8) حزيران العام(1910) وكان منذ صغره هاوياً للتجوال فجاب مناطق عدة نائية في افريقيا ابتداءً من العام(1929) الى العام(1933) ودرس في كلية ماكدالين في جامعة اكسفورد، ودخل العراق لأول مرة العام(1948) وزار مناطق كثيرة فيه، وصدرت له عشرة اعمال مهمة، اضافة لعمله هذا..
وفي يوم(2003/8/24) أي بعد رحلة عمر امتدت(93) عاماً توفي في لندن، لتبث اذاعة لندن، خبر وفاته صباح يوم(8/25) بالشكل الآتي.. مات صديق العراق.. مات صديق الاهوار.. ولعل رحيله او خبر رحيله أثار شجوناً وذكريات عديدة كونه ظل على تواصل مع اصدقائه في العمارة والمجر الكبير يسأل ويستفسر عنهم وعن الهور لاسيما خلال الحرب في الثمانينيات وبعدها..
فالى روحك الرحمة، أيها (الانكريزي) الطيب الجميل.. وهذا كل ما نستطيع ان نقوله لك، عسى ان يكون هذا القول بعضاً من وفاء!..
كتبها تدوين ونقل في 08:51 مساءً ::
الاسم: تدوين ونقل


